• L.E

غزوة تبوك والدروس المستفادة منها.. تعرف على قصة من تاب الله عليهم لصدقهم

من أسباب غزوة تبوك

في فتح الباري لابن حجر العسقلاني بإسناد حسن مع كونه مرسلا عن عبد الرحمن بن غنم قال: أنَّ اليهودَ قالوا: يا أبا القاسمِ إن كنْتَ صادقًا فالحقْ بالشامِ فإنَّها أرضُ المحشرِ وأرضُ الأنبياءِ، فغَزا تبوكَ لا يريدُ إلا الشامَ، فلمّا بلغَ تبوكَ أنزلَ اللهُ تعالى الآياتِ من سورةِ بَني إسرائيلَ وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها الآيةُ: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً }سورة الإسراء76، وفي تفسير الجلالين من معنى الآية الكريمة ما يلي: ونزل لما قال له اليهود إن كنت نبيا حقا فالحق بالشام فإنها أرض الأنبياء (وإن) مخففة (كادوا ليستفزونك من الأرض) أرض المدينة (ليخرجوك منها وإذا) لو أخرجوك (لا يلبثون خلافك) فيها (إلا قليلا) ثم يهلكون.

استخلاف عبد الله بن أم مكتوم على المدينة أثناء غزوة تبوك

  • لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقيادة المسلمين إلى غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة ، استخلف على المدينة نائبا عنه الصحابي عبد الله بن أم مكتوم، وهذا الصحابي قد سبق توليه إدارة شئون المدينة نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات التالية: غزوة بحران وغزوة أحد وغزوة حمراء الأسد وغزوة بني النضير وغزوة الخندق وغزوة بني قريظة وغزوة بني لحيان وغزوة الغابة وغزوة الحديبية وغزوات الفتح وحنين والطائف وفي غزوة تبوك ( كما ذكره الواقدي كتابه المغازي) وعبد الله بن أم مكتوم هو الصحابي الذي نزلت فيه سورة عبس بقوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى{1} أَن جَاءهُ الْأَعْمَى{2} وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى{3} أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى{4} أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى{5} فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى{6} وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى{7} وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى{8} وَهُوَ يَخْشَى{9} فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى{10} كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ{11}، ففي صحيح الترمذي عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أُنْزِلَ عَبَسَ وَتَولَّى في ابنِ أمِّ مَكْتومٍ الأعمى، أتى رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فجعلَ يقولُ: يا رسولَ اللَّهِ أرشِدني، وعندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ رجلٌ من عُظماءِ المشرِكينَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يُعرضُ عنهُ ويُقبلُ على الآخَرِ، ويقولُ: أترى بما أقولُ بأسًا؟ فيقولُ: لا، ففي هذا أُنْزِلَ.
  • وفي كتاب نسب قريش لصاحبه مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: أن عبد الله بن أم مكتوم هو ابن خال السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها (فكان الأولى بابن أم مكتوم أن ينتظر بعض الوقت حتى ينتهي النبي صلى الله عليه وسلم من مهمته في دعوة بعض سادات قريش للإسلام، لأن ابن أم مكتوم ليس بغريب عن النبي صلى الله عليه وسلم لقرابته من السيدة خديجة، ولكن الله أراد أن يجعل ضعاف المؤمنين مقدمين على المشركين ولو كانوا سادة).
  • وفي المستدرك على الصحيحين – كتاب معرفة الصحابة رضي الله تعالى عنهم – ذكر – تعظيم أهل بيت النبي لابن أم مكتوم فعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهِيَ تُقَطِّعُ لَهُ الْأُتْرُجَّ يَأْكُلُهُ بِعَسَلٍ ، فَقَالَتْ : مَا زَالَ هَذَا لَهُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُنْذُ عَاتَبَ اللهُ فِيهِ نَبِيَّهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِنَّمَا أَرَادَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا نُزُولَ سُورَةِ { عَبَسَ وَتَوَلَّى }، وكَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلَالٍ ، قَالَ سَالِمٌ : وَكَانَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ وَلَمْ يَكُنْ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بُزُوغِ الْفَجْرِ : أَذِّنْ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنِ اللَّيْثِ)، وقد أكرمه النبي صلى الله عليه وسلم ورد له اعتباره بقوله الذي ذكرته أم المؤمنين السيدة عائشة في الحديث الذي أخرجه عنها الحاكم في المستدرك والترمذي حيث قالت: وَإِذَا رَآهُ (أي رأى ابن أم مكتوم) النبي صلى الله عليه وسلم يَقُولُ له: “مَرْحَبًا بِمَنْ ‌عَاتَبَنِي فِيهِ ‌رَبِّي”، وقد استشهد عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه في معركة القادسية.

الأحاديث النبوية والأحكام الفقهية المصاحبة لغزوة تبوك

أولًا: قصر الصلاة للمسافر المستمر بالمدينة المسافر إليها
في الحديث الثابت بصحيح أبي داود الذي وأحتج به ابن عثيمين في مجموع فتاواه عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: أقامَ في تبوكَ عشرِينَ يومًا يقصرُ الصلاةَ ،وقصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ مِن تيسير الشَريعَةِ الإسلامِية وفي هذا الحديثِ: «أقام رسولُ اللهِ الله صلى الله عليه وسلم بِتَبوكَ»، وهي مَدينَةٌ قَريبةٌ من الشّامِ، وكان ذلك في السَّنَةِ التّاسعَةِ؛ وتُسمّى بغزوَةِ العُسْرَةِ، «عِشرينَ يومًا يَقصُرُ الصَّلاةَ»، فيُصلِّي الصَّلاةَ الرُّباعيَّةَ ركعتَينِ، وقَصْرُه الله صلى الله عليه وسلم للصَّلاةِ عِشرينَ يومًا لا يَنفي الزِّيادَةَ أو النُّقصانَ لِمدَّةِ قَصْرِ المُسافِرِ في البلَدِ الَّتي سافَرَ فيها، وفي هذا حكم فقهي بدليل حديث نبوي بعدَمِ اقتِصارِ صَلاةِ القصْرِ على حالَةِ السَّفَرِ في الطَّريقِ، واستِمرارِه داخِلَ المدينَةِ المسافَرِ إليها.

ثانيًا: الجمع بين الصلوات في السفر وأدب التعامل مع أمر النبي ﷺ

  • في صحيح ابن ماجه كما أخرجه أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل أنه قال: جمعَ بينَ الظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ في غزوةِ تبوكَ في السَّفرِ، وفي صحيح مسلم عن معاذ بن جبل أنه قال: خَرَجْنَا مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، حتَّى إذَا كانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذلكَ، فَصَلَّى المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قالَ: إنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا، إنْ شَاءَ اللَّهُ، عَيْنَ تَبُوكَ، وإنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فمَن جَاءَهَا مِنكُم فلا يَمَسَّ مِن مَائِهَا شيئًا حتَّى آتِيَ فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بشيءٍ مِن مَاءٍ، قالَ فَسَأَلَهُما رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ هلْ مَسَسْتُما مِن مَائِهَا شيئًا؟ قالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُما النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وَقالَ لهما ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. قالَ: ثُمَّ غَرَفُوا بأَيْدِيهِمْ مِنَ العَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، حتَّى اجْتَمع في شيءٍ، قالَ وَغَسَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فيه يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ العَيْنُ بمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، أَوْ قالَ: غَزِيرٍ، شَكَّ أَبُو عَلِيٍّ أَيُّهُما قالَ، حتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قالَ يُوشِكُ، يا مُعَاذُ إنْ طَالَتْ بكَ حَيَاةٌ، أَنْ تَرَى ما هَاهُنَا قدْ مُلِئَ جِنَانًا.
  • وفي هذا الحديث يَحكي معاذُ بنُ جبلٍ رضي الله عنه بقوله: خرَجْنا مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تبوكَ، وهي موضعٌ معروفٌ بطريقِ الشَّام، فيه ماءٌ، فكان يجمعُ الصَّلاةَ، فصلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعِشاءَ جميعًا، أي: جمَع بين كلِّ صلاتينِ، حتَّى إذا كان يومٌ آخرُ أخَّر الصَّلاةَ، ثمَّ خرَج فصلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، ثمَّ دخل، ثمَّ خرج بعد ذلك، فصلَّى المغربَ والعِشاءَ جميعًا. ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّكم ستأتون غدًا إنْ شاء الله عينَ تبوكَ، وإنَّكم لن تأتوها حتَّى يُضحيَ النَّهارُ، فمَن جاءَها منكم فلا يمَسَّ مِن مائِها شيئًا، فجِئْناها وقد سبَقَنا إليها رجُلانِ والعينُ مِثلُ الشِّراكِ تَبِضُّ بشيءٍ مِن ماءٍ، أي: تسيلُ بماءٍ قليل رقيق مثلِ شراك النَّعل، فسأل صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الرَّجلينِ: هل مسَسْتُما مِن مائِها شيئًا؟ فأجابا: نَعم، فسَبَّهما صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال لهما ما شاء اللهُ أن يقولَ، ويحتملُ أنْ يكونَ: لأنَّهما كانا منافقَينِ قصَدا المخالفةَ، فصادَف السَّبُّ محِلَّه، ويحتملُ أن كانا غيرَ منافقَينِ، ولم يعلَما بنهيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويكون سبُّه لهما لم يصادِفْ محِلَّا، فيكون ذلك لهما رحمةً وزكاةً، كما قاله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اللَّهمَّ مَن لعنتُه أو سبَبْتُه، وليس لذلك بأهلٍ، فاجعَل ذلك له زكاةً، ورحمةً، وقُربةً تقرِّبُه بها إليك يومَ القيامةِ))، فأمَر أن يُغرَفَ له من مائِها، وكأنَّه أراد أنْ يباشرَ الماءَ وهو في موضعِه، لكن لَمَّا سبَقه غيره إليها، جمَعوا له من مائِها، فغسل فيه يديه ووجهَه، ثمَّ أمَر أن يُعادَ ذلك الماءُ فيها، فلمَّا فعَلوا ذلك جاءت العين بماءٍ منهمرٍ، أي: كثيرِ الانصبابِ، حتَّى ارتوى النَّاسُ وشرِبوا، ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يوشكُ، أي: يجيءُ ويُسرعُ، يا معاذُ، إنْ أطال اللهُ عزَّ وجلَّ في عُمُرِك أنْ ترَى ما هاهنا قد مُلِئَ جِنانًا، والجِنانُ: البُستانُ مِن النَّخلِ وغيرِه.
  • وفي الحديثِ أحكام فقهية منها: الجمعُ في الصَّلاةِ في السَّفرِ، وتأديبُ الحاكمِ باللِّسانِ، والسَّبِّ غَيرِ المُقذِع نَفْسِه، فضلا عن بيان معجزةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

ثالثًا: المسح على الخف

  • في صحيح النسائي عن المغيرة بن شعبة قال: سَكَبتُ على رسولِ اللَّهِ حينَ تَوضَّأَ في غزوةِ تبوكَ، فمسحَ على الخفَّينِ.
  • وفي الحديث حكم فقهي بيانه الآتي: تَختلِفُ صَلاةُ النَّفلِ عن صَلاةِ الفرْضِ في بعضِ أحكامِها، ومِن هذِه الأحكامُ ما ورَدَ في هذا الحديثِ، حيثُ يَرْوي عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُصلِّي في السَّفرِ النَّوافلَ وهو راكبٌ على دابَّتِه الَّتي يُسافِرُ عليها في أيِّ جِهةٍ مشَتْ؛ وذلك بأنْ يُكبِّرَ مُستَقبِلًا القِبلةَ، ولا عليه أنْ تَذهَبَ الدّابَّةُ في أيِّ اتِّجاهٍ بعْدَ ذلك، وكان يُومئُ إيماءً، فيُحرِّكُ رَأسَه إشارةً لِلرُّكوعِ والسُّجودِ، ويكونُ الإيماءُ إلى السُّجودِ أخفَضَ مِن الرُّكوعِ، ويَفعَلُ ذلك في النَّوافلِ بما فيها الوِترُ، أمّا الفرائضُ فلا يَفعَلُ ذلك فيها، بلْ كان يَنزِلُ عن الدّابَّةِ ويُصلِّي الفرائضَ على الأرضِ مُستقبِلًا القِبلةَ، وهذا مِن التَّيسيرِ والتَّخفيفِ في أمْرِ النوّافلِ والتَّطوُّعِ، وأمّا الفَريضةُ فلا تُصلّى على الدابَّةِ لغيرِ عُذرٍ مِن خَوفٍ شَديدٍ أو مرَضٍ أو نحوِه.
  • رابعا: الترشيد في ماء الوضوء باستخدامه مرة واحدة لكل عضو

    • في صحيح ابن ماجه عن عمر بن الخطاب قال: رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تبُوكَ توضَّأَ واحدةً واحدةً.
    • وفي الحديث حكم فقهي بيانه الآتي: الطَّهارةُ والوُضوءُ مِن شُروطِ صِحَّةِ الصلاةِ، وقد علَّمَنا النَّبيُّ ﷺ كيفيَّةَ التَّطهُّرِ والوُضوءِ ووضَّح الرُّخَصَ والعَزائمَ في ذلك؛ تيسيرًا على النّاسِ، وبَيانًا لِمَواضِعِ وأوقاتِ الرُّخَصِ،
    • وفي هذا الحديثِ يَقولُ عُمَرُ بنُ الخطّابِ رَضِي اللهُ عَنه: «رأَيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تَبوكَ»، وكانَت هذه الغزوةُ في السَّنَةِ التّاسعةِ مِن الهِجرةِ، وتُسمّى بغَزْوةِ العُسْرةِ، وتَبوكُ تَقعُ في أقْصى شَمالِ الجَزيرةِ العرَبيَّةِ، وكانتْ هذه الغزوةُ ضدَّ الرُّومِ، وقولُه: «توَضَّأَ واحدةً واحدةً»، أي: توضَّأ وغسَل كلَّ عضوٍ مِن أعضاءِ وُضوئِه مرَّةً واحدةً، ولعَلَّ هذا لِبَيانِ الرُّخصةِ والجوازِ أو لقِلَّةِ الماءِ، وهذا هو أقَلُّ حدٍّ للوُضوءِ الَّذي لا تُقبَلُ الصَّلاةُ إلّا به عندَ وُجودِ الماءِ، على أنَّ السُّنَّةَ المتواتِرةَ تَدُلُّ على أنَّ الوُضوءَ التّامَّ يَكونُ بغَسْلِ الأعضاءِ ثَلاثًا ثلاثًا؛ فبيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ فرْضَ الوُضوءِ مرَّةً مرَّةً.
    • وثبَت في الصحيح عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه توضَّأ أيضًا مرَّتَينِ مرَّتينِ، وثًلاثًا وثلاثًا، ولم يَزِدْ على ثلاثٍ، وقدْ نُهي عن الإسرافِ في الوضوءِ ومُجاوزةِ فِعْلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

    قصة كعب بن مالك وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتاب الله عليهم لصدقهم

    في صحيح البخاري عن بن مالك
    أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -وكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِن بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عن قِصَّةِ تَبُوكَ، قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غيرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حتَّى جَمَعَ اللَّهُ بيْنَهُمْ وبيْنَ عَدُوِّهِمْ علَى غيرِ مِيعَادٍ، ولقَدْ شَهِدْتُ مع رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا علَى الإسْلَامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ منها، كانَ مِن خَبَرِي: أنِّي لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوَى ولَا أيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عنْه في تِلكَ الغَزَاةِ، واللَّهِ ما اجْتَمعتْ عِندِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ، حتَّى جَمَعْتُهُما في تِلكَ الغَزْوَةِ، ولَمْ يَكُنْ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إلَّا وَرَّى بغَيْرِهَا، حتَّى كَانَتْ تِلكَ الغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا ومَفَازًا وعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ؛ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فأخْبَرَهُمْ بوَجْهِهِ الذي يُرِيدُ، والمُسْلِمُونَ مع رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَثِيرٌ، ولَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ- قَالَ كَعْبٌ: فَما رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلَّا ظَنَّ أنْ سَيَخْفَى له، ما لَمْ يَنْزِلْ فيه وَحْيُ اللَّهِ.
    وغَزَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تِلكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ والظِّلَالُ، وتَجَهَّزَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسْلِمُونَ معهُ، فَطَفِقْتُ أغْدُو لِكَيْ أتَجَهَّزَ معهُمْ، فأرْجِعُ ولَمْ أقْضِ شيئًا، فأقُولُ في نَفْسِي: أنَا قَادِرٌ عليه، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بي حتَّى اشْتَدَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصْبَحَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسْلِمُونَ معهُ، ولَمْ أقْضِ مِن جَهَازِي شيئًا، فَقُلتُ: أتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بيَومٍ أوْ يَومَيْنِ، ثُمَّ ألْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أنْ فَصَلُوا لِأتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شيئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شيئًا، فَلَمْ يَزَلْ بي حتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، وهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، ولَيْتَنِي فَعَلْتُ! فَلَمْ يُقَدَّرْ لي ذلكَ، فَكُنْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَطُفْتُ فيهم، أحْزَنَنِي أنِّي لا أرَى إلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عليه النِّفَاقُ، أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، ولَمْ يَذْكُرْنِي رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وهو جَالِسٌ في القَوْمِ بتَبُوكَ: ما فَعَلَ كَعْبٌ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ ونَظَرُهُ في عِطْفِهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: بئْسَ ما قُلْتَ، واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ ما عَلِمْنَا عليه إلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
    قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّه تَوَجَّهَ قَافِلًا، حَضَرَنِي هَمِّي، وطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وأَقُولُ: بمَاذَا أخْرُجُ مِن سَخَطِهِ غَدًا؟! واسْتَعَنْتُ علَى ذلكَ بكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِن أهْلِي، فَلَمَّا قيلَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وعَرَفْتُ أنِّي لَنْ أخْرُجَ منه أبَدًا بشَيءٍ فيه كَذِبٌ، فأجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وأَصْبَحَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَادِمًا، وكانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، بَدَأَ بالمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فيه رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ له، وكَانُوا بِضْعَةً وثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ منهمْ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَلَانِيَتَهُمْ، وبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لهمْ، ووَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ، فَجِئْتُ أمْشِي حتَّى جَلَسْتُ بيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: ما خَلَّفَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ فَقُلتُ: بَلَى، إنِّي واللَّهِ لو جَلَسْتُ عِنْدَ غيرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أنْ سَأَخْرُجُ مِن سَخَطِهِ بعُذْرٍ، ولقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي واللَّهِ، لقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليومَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى به عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إنِّي لَأَرْجُو فيه عَفْوَ اللَّهِ، لا واللَّهِ، ما كانَ لي مِن عُذْرٍ، واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أقْوَى، ولَا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَّا هذا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ.
    فَقُمْتُ، وثَارَ رِجَالٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقالوا لِي: واللَّهِ ما عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هذا، ولقَدْ عَجَزْتَ أنْ لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما اعْتَذَرَ إلَيْهِ المُتَخَلِّفُونَ، قدْ كانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَكَ، فَوَاللَّهِ ما زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حتَّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلتُ لهمْ: هلْ لَقِيَ هذا مَعِي أحَدٌ؟ قالوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ ما قُلْتَ، فقِيلَ لهما مِثْلُ ما قيلَ لَكَ، فَقُلتُ: مَن هُمَا؟ قالوا: مُرَارَةُ بنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، وهِلَالُ بنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِما أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي، ونَهَى رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المُسْلِمِينَ عن كَلَامِنَا أيُّها الثَّلَاثَةُ مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ عنْه، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وتَغَيَّرُوا لَنَا حتَّى تَنَكَّرَتْ في نَفْسِي الأرْضُ، فَما هي الَّتي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا علَى ذلكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فأمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وقَعَدَا في بُيُوتِهِما يَبْكِيَانِ، وأَمَّا أنَا، فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمِ وأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فأشْهَدُ الصَّلَاةَ مع المُسْلِمِينَ، وأَطُوفُ في الأسْوَاقِ ولَا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ.
    وآتي رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَأُسَلِّمُ عليه وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فأقُولُ في نَفْسِي: هلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ برَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا منه، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ علَى صَلَاتي أقْبَلَ إلَيَّ، وإذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي، حتَّى إذَا طَالَ عَلَيَّ ذلكَ مِن جَفْوَةِ النَّاسِ، مَشَيتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أبِي قَتَادَةَ، وهو ابنُ عَمِّي وأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عليه، فَوَاللَّهِ ما رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلتُ: يا أبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ باللَّهِ، هلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ له فَنَشَدْتُهُ، فَسَكَتَ، فَعُدْتُ له فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وتَوَلَّيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، قَالَ: فَبيْنَا أنَا أمْشِي بسُوقِ المَدِينَةِ، إذَا نَبَطِيٌّ مِن أنْبَاطِ أهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بالمَدِينَةِ، يقولُ: مَن يَدُلُّ علَى كَعْبِ بنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ له، حتَّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إلَيَّ كِتَابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّه قدْ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ قدْ جَفَاكَ، ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ ولَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ.
    فَقُلتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وهذا أيضًا مِنَ البَلَاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بهَا، حتَّى إذَا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ، إذَا رَسولُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأْتِينِي، فَقَالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلتُ: أُطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا ولَا تَقْرَبْهَا، وأَرْسَلَ إلى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذلكَ، فَقُلتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بأَهْلِكِ، فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ في هذا الأمْرِ، قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ: إنَّ هِلَالَ بنَ أُمَيَّةَ شيخٌ ضَائِعٌ، ليسَ له خَادِمٌ، فَهلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، ولَكِنْ لا يَقْرَبْكِ. قَالَتْ: إنَّه واللَّهِ ما به حَرَكَةٌ إلى شَيءٍ، واللَّهِ ما زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ إلى يَومِهِ هذا، فَقَالَ لي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في امْرَأَتِكَ كما أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما يُدْرِينِي ما يقولُ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذلكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينَ نَهَى رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن كَلَامِنَا.
    فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وأَنَا علَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنَا، فَبيْنَا أنَا جَالِسٌ علَى الحَالِ الَّتي ذَكَرَ اللَّهُ؛ قدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بما رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أوْفَى علَى جَبَلِ سَلْعٍ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بنَ مَالِكٍ، أبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وعَرَفْتُ أنْ قدْ جَاءَ فَرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعَى سَاعٍ مِن أسْلَمَ، فأوْفَى علَى الجَبَلِ، وكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الذي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إيَّاهُمَا ببُشْرَاهُ، واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما يَومَئذٍ، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وانْطَلَقْتُ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بالتَّوْبَةِ، يَقولونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صَافَحَنِي وهَنَّانِي، واللَّهِ ما قَامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، ولَا أنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ علَى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
    قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: أبْشِرْ بخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: قُلتُ: أمِنْ عِندِكَ يا رَسولَ اللَّهِ أمْ مِن عِندِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِن عِندِ اللَّهِ. وكانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حتَّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكُنَّا نَعْرِفُ ذلكَ منه، فَلَمَّا جَلَسْتُ بيْنَ يَدَيْهِ قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ مِن تَوْبَتي أنْ أنْخَلِعَ مِن مَالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ وإلَى رَسولِ اللَّهِ، قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهو خَيْرٌ لَكَ. قُلتُ: فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذي بخَيْبَرَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ إنَّما نَجَّانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِن تَوْبَتي أنْ لا أُحَدِّثَ إلَّا صِدْقًا ما بَقِيتُ. فَوَاللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلَاهُ اللَّهُ في صِدْقِ الحَديثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أحْسَنَ ممَّا أبْلَانِي؛ ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى يَومِي هذا كَذِبًا، وإنِّي لَأَرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيما بَقِيتُ، وأَنْزَلَ اللَّهُ علَى رَسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} إلى قَوْلِهِ: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة117 – 119، فَوَاللَّهِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي لِرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنْ لا أكُونَ كَذَبْتُهُ، فأهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا؛ فإنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا -حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ- شَرَّ ما قَالَ لأحَدٍ، فَقَالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ} إلى قَوْلِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96]. قَالَ كَعْبٌ: وكُنَّا تَخَلَّفْنَا أيُّها الثَّلَاثَةُ عن أمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ منهمْ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ حَلَفُوا له، فَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لهمْ، وأَرْجَأَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمْرَنَا حتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذلكَ قَالَ اللَّهُ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118]، وليسَ الذي ذَكَرَ اللَّهُ ممَّا خُلِّفْنَا عَنِ الغَزْوِ؛ إنَّما هو تَخْلِيفُهُ إيَّانَا، وإرْجَاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ له واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَبِلَ منه.

المشاركات الأخيرة

الكلمات الدلالية